أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
434
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
واستغرق بذلك إلى أذان الظهر والناس يبكون ، ورأيت العرق ينحدر من جبينه حتى ينحدر على لحيته ، وكانت لحيته كبيرة انتهى . وقال في لطائف المنن : وكنت أنا لأمره من المنكرين ، وعليه من المعترضين ، لا لشئ سمعته منه ، ولا لشئ صح نقله عنه ، حتى جرت مقاولة بيني وبين بعض أصحابه ، وذلك قبل صحبتي إياه ، وقلت لذلك الرجل : ليس إلا أهل العلم الظاهر ، وهؤلاء القوم يدعون أمورا عظاما وظاهر الشرع يأباها ، فقال لي ذلك الرجل بعد أن صحبت الشيخ تدري ما قال لي الشيخ يوم تخاصمنا ؟ قلت : لا ، قال : دخلت عليه فأول ما قال لي هؤلاء كالحجر ما أخطأك منه خير مما أصابك ، فعلمت أن الشيخ كوشف بنا ، قال : ولعمري لقد صحبت الشيخ اثنى عشر عاما ، فما سمعت منه شيئا ينكره ظاهر العلم من الذي كان ينقله عنه من يقصد الأذى ، وكان سبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرجل : دعني أذهب فأرى هذا الرجل ، فصاحب الحق له أمارة لا يخفى شأنها فأتيت إلى مجلسه ، فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها ، فقال : الأول : إسلام ، والثاني : إيمان ، والثالث : إحسان . وإن شئت قلت : الأول عبادة ، والثاني عبودية ، والثالث عبودة . وإن شئت قلت : الأول شريعة ، والثاني حقيقة ، والثالث تحقق أو نحو هذا ، فما زال يقول : وإن شئت قلت ، وإن شئت قلت ، إلى أن أبهر عقلي ، وعلمت أن الرجل إنما يغرف من فيض بحر إلهي ، ومدد رباني ، فأذهب اللّه ما كان عندي إلى آخر كلامه . فهذه الحقائق التي يفيضها الحق تعالى على قلوب أوليائه فينطقون بها تكون أولا مجملة ، فإذا حفظت وتقيدت تبين معناها ، فمنها ما تدركها العقول ويطابق المنقول ، ومنها ما لا تفهمها العقول فتكلها إلى أربابها ولا تنتقدها عليهم بمجرد سماعها ، وانظر قول ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه : فثم وراء النقل علم يدقّ عن * مدارك غايات العقول السليمة ومع هذا كان الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه يقول : إذا عارض كشفك الصحيح الكتاب والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف ، وقل لنفسك : إن اللّه تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإلهام ، ومثل هذا أيضا قول الجنيد : إن النكتة لتقع في قلبي من جهة الكشف ، فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل :